وفاة أمير قطر السابق حمد آل ثاني فتحت نقاشات معادة حول الرجل وسياساته وكيفية وصوله للحكم وكيفية مغادرته له والإرث الطويل الذي تركه خلفه في بلاده وفي دول الإقليم عبر التغيير الجذري الذي قام به في السياسة القطرية. الكثير من هذه النقاشات سيء الجودة لأنها لا تخلو من التحزبات والمهاترات التي صارت سمة من سمات ثقافتنا في ظل عداء شديد لبعضنا البعض، وهذه المهاترات فيما بتعلق بقطر تحديداً قد بلغت مبلغاً مخزياً أثناء الأزمة الخليجية، وسنضرب صفحاً عن هذه الترهات في هذه المقالة المخصصة لمناقشة جانب لم يأخذ حقه من النقاش العرب وهو ذو أهمية خاصة.

هل الانقلابات الداخلية نادرة؟

صعد حمد آل ثاني للحكم عبر انقلاب داخلي نفذه ضد والده خليفة حين كان في زيارة خارجية، وقد كان خليفة هذا قد وصل للحكم أيضاً عبر انقلاب داخلي على ابن عمه أثناء زيارة خارجية له كذلك. هل الانقلابات ومحاولات الانقلاب داخل الأسر المالكة نادرة الحدوث؟ بالتأكيد لا، ولكننا نعيش في غياب جماعي للذاكرة.

فقد انقلب الأمير فيصل على أخيه الملك سعود وأزاحه من الحكم (1964) وانقلب زايد آل نهيان على أخيه شخبوط في أبو ظبي (1966)، وانقلب قابوس على أبيه السلطان سعيد بن تيمور (1970)، وقام البريطانيون بإزاحة صقر القاسمي من منصبه كأمير للشارقة ليخلفه خالد القاسمي، وحين حاول صقر استعادة السلطة وقع اطلاق نار أدى لمقتل خالد (1972) وتولى بعدها إمارة الشارقة سلطان القاسمي – الأمير الحالي وابن خالد المقتول – الذي تعرض بدوره لمحاولة انقلابية (1987) على يد أخيه عبد العزيز، وفي 2003 حدثت أزمة حكم في رأس الخيمة أدت لنشر الدبابات في الإمارة، وعام 2017 تم على ما يبدو انقلاب سعودي آخر بإزاحة ولي العهد محمد بن نايف لصالح محمد بن سلمان. هذه كلها أمثلة خليجية، أما إذا أردنا الذهاب للنظم الملكية الحالية والسابقة في الأردن والمغرب وليبيا ومصر وإيران وأفغانستان وغيرها لوجدنا أن القائمة طويلة بالفعل. وصول حمد آل ثاني للحكم عبر الانقلاب ليس بالأمر النادر – وإن كان تنازله عن الحكم نادر بحق – لكن سبب وصوله هو الذي يهمنا في هذه المقالة.

حين يكون المجتمع أسرع من الدولة

من الظواهر التي تكررت دراستها ولم تحظ عندنا بالاهتمام اللازم رغم صلتها القوية بنا ظاهرة تسارع المجتمع، خاصة سرعة النخب، بشكل كبير في دولة تتسارع بشكل بطيء. دخول عدد كبير من الشباب في التحديث والتصنيع مع تزايد الهجرة من الأرياف للمدن وانتشار تحول الطبقات الدنيا لطبقات متوسطة وعليا مع زيادة الإتصال العالمي عبر وسائل الإعلام وغيره يغير شكل وزخم الآمال والطموحات المجتمعية بشكل سريع وكبير وواسع النطاق، فإذا كانت الدولة بطيئة تقليدية ذات بيروقراطية معرقلة وعقليات قديمة فإن فجوة تنشأ تؤدي لتوترات قد تضرب في شرعية الحكم ولذلك تصل أحياناً للعنف والانقلابات والثورات.

حاولت دراسات متعددة فهم هذه الفجوات من زواياها السياسية وغير السياسية ومن ذلك الدراسات المبكرة لعالم الاجتماع الأمريكي وليم إف. أوغبورن والدراسات الحديثة لعالم الاجتماع الألماني هارتموت روزا، وبينهما الدراسة المهمة لصامؤيل هنتنغتون “النظام السياسي لمجتمعات متغيرة”.

هنتنغتون عالم سياسية عرفناه في منطقتنا بسبب فكرته الشهيرة “صدام الحضارات” التي غامت غيومها علينا وعلى البشرية بعد هجمات 11 سبتمبر وأدت لنقاشات طويلة الكثير منها دفاعي ولا يخلو من فزع، وشهرة “صدام الحضارات” أخملت ذكر أعماله وأفكاره الأخرى بما فيها كتابه “النظام السياسي لمجتمعات متغيرة” والذي غير نظرة المختصين للتنمية. فبالرغم من عدة عيوب وانتقادات واجهها الكتاب إلا أن الكل يعترف بأنه ساهم في إبطال الفكرة الحالمة القائلة بأن التنمية كلما كانت أضخم والتحديث أسرع فإن النتائج لا محالة إيجابية وستؤدي لتطور واستقرار وثروة ثم تحل الديموقراطية بشكل طبيعي وسلس كنتيجة حتمية لكل هذا. لفت هنتنغتون أنظار الدارسين لحقيقة مغايرة وهي أن التنمية السريعة في الدول التي لم تترسخ فيها الدولة هي وصفة لعدم الاستقرار لا العكس.

حلل هنتنغتون الظاهرة هذه من عدة زوايا وقال مؤكداً “إن عدم الاستقرار السياسي في الدول المعصرنة هو، إذاً، في القسم الأكبر منه، تابع للهوة بين المطامح والتوقعات الناجمة عن تصعيد المطامح الذي يظهر، بصورة خاصة، في المراحل الأولى من العصرنة”. وإذا نظرنا لهذا التحليل وجدنا أن له قوة تفسيرية خاصة فيما يتعلق ببعض الانقلابات التي شهدتها المنطقة خاصة في حالة كل من قطر وأبو ظبي وسلطنة عمان وكذلك بعض اضطرابات اليمن الإمامي قبل نشوء الجمهورية، ففي كل هذه الحالات كانت السلطة التقليدية قليلة الانفتاح وأحيانا منغلقة، بينما النخب السياسية الجديدة لها تطلعات كبيرة وطموحات جديدة لا يمكن للدولة البطيئة استيعابها، وهذا من أسباب ثورة محمد بن سلمان وفريقه على الترتيبات التقليدية في السعودية، فبالرغم من أن عهد الملك عبد الله (2005-2015) قد أضعف هذه الترتيبات وأدخل تغييرات انفتاحية عدة إلا أنها ظلت دون طموحات النخبة الجديدة بكثير، ولذلك كانت خطواتها أشرس وأعنف كما أزاحت علناً القوى القديمة واتخذت من “العلاج بالصدمة” أسلوباً رئيسياً في إدارة البلاد.

التباين في السرعات بين طبقات الشعب والدولة

لكن هذه الحالات تختص كلها بالأجيال الجديدة من داخل النخب السياسية الحاكمة، فماذا عن تسارع الطبقات الشعبية خارج هذه النخب؟ في الحقيقة إن الانتقال الكبير والسريع من المجتمعات التقليدية إلى المجتمعات الحديثة وما صاحب ذلك من هجرات من الأرياف للمدن وارتفاع سريع في مستويات التعليم والاتصال بالعالم عبر وسائل التواصل وعبر السفر للدراسة أو لطلب الرزق قد لعب دوراً مهماً في التغيرات السياسية التي شهدتها المنطقة وفي بعض الأحيان – حتى حين لا نلحظه – كان أكثر أهمية من قرارات الساسة واتجاهات الدولة. وبالإضافة لذلك كان الانفجار السكاني عاملاً مهماً في تفسير الكثير من التغيرات خاصة في دولة مثل مصر كما لاحظ جلال أمين في كتابه “مصر في عصر الجماهير الغفيرة”.

لقد أدت الحداثة لتغيير توقعات الناس خاصة مع تآكل المهن المتوارثة والصناعات التقليدية وكثرة الهجرات الداخلية فلم يعد مجال التفكير محصوراً في المسكن التقليدي للأسرة أو القبيلة ولا عادت القضايا التي يهتم بها الشخص ويناقشها هي نفسها القضايا المعتادة في مجتمعه الأصلي لو ظل فيه، خاصة وقد تزامن كل هذا مع محو الأمية وارتفاع نسبة التعليم والسفر والاطلاع على الكتب والصحف ووسائل الإعلام الحديثة، وبإمكاننا أن نقول أن هذا من أسباب صعود نخب عسكرية جاءوا من خلفية بسيطة من عامة الشعب وصعدوا بسبب تحديث الجيوش إلى مراتب أعلى الضباط وصار لديهم طموحات جديدة مختلفة تماماً عن طموحات العسكري البسيط وصارت لهم عصبة جديدة ومعها شوكة يمكن من خلالها فرض أمر واقع جديد، فتكاثرت الانقلابات العسكرية ومحاولات الانقلاب في سوريا والعراق واليمن والسودان والصومال والجزائر وموريتانيا إلخ لدرجة يصعب إحصاؤها، وأزيحت نخب قديمة كثيرة خاصة في العقود الأولى من نشوء الدولة العربية الحديثة.

أما في العقود المتأخرة فقد ساهم التباين في السرعات في مشاكل أخرى بعضها سلبي صامت مثل هجرة العقول واحساس الكثيرين بعدم القدرة على الازدهار والإبداع المحلي، وبعضها كان مقاومة ورفض وتمرد ما أدى لاضطرابات أبرزها وأهمها على الإطلاق انتفاضات الربيع العربي التي اجتاحت – بدرجات متباينة – أغلب دولنا وتميزت بشبابيتها وسرعة حركتها عبر وسائل التواصل الاجتماعي التي لم تكن الدول العربية قد استوعبتها أو تعلمت السيطرة عليها بعد، كانت هذه مواجهة بين نخب قديمة متجذرة وبين جيل جديد يفكر بطرق جديدة وله طموحات مختلفة ووسائل تواصل غير معروفة جيداً لدى أدوات القمع والسيطرة بالدولة، فجأة وجدت الدول التقليدية المترهلة نفسها أمام عدو جديد لا تعرفه ووقع الانهيار. لاحظ أن حكام هذه الدول كلهم من القدامى وفتراتهم تراوحت بين زين العابدين بن علي الذي استمر لنحو 23 سنة والقذافي الذي زاد عن 40 سنة وآل الأسد الذين حكموا لأكثر من 50 سنة.

الدولة العربية لم تكن قادرة على استيعاب التغير في بنيتها التي صارت بحلول 2011 عتيقة بل وحتى لو أرادت استيعاب الحراك لما استطاعت ليس فقط بسبب عدم قدرتها على المواكبة – وهو سبب أساسي – ولكن أيضاً لأنها ستضطر لإزاحة النخب القديمة وإدخال إصلاحات ديموقراطية جذرية وتهديد القيادات الحالية بالمحاسبة والمحاكمة وهو ما لم تكن هذه النخب القديمة مستعدة لتقديمه أبداً بل ودونه خرط القتاد كما رأينا وكما تشهد عليه آلاف الجثث والزنازين ومخيمات اللاجئين. للمهتمين والدارسين الجادين من الممكن لكم الاستئناس هنا بكتاب عالم السياسة الأمريكي تيد روبرت غور Why men rebel، والجهود الأحدث والمشتركة لغونار هاينزون وجاك غولدستون.

الفرق بين ثورة النخب الجديدة وثورة الطبقات الشعبية الجديدة

إذن هناك ثورتان، ثورة من أعلى وثورة من أدنى. الثورة من أعلى تسقط النخب القديمة دون أن تلغيها بالضرورة وتميل أحياناً للتصالح معها لكن دون إعادتها للحكم، وهذه الثورة تقودها نخب من جديدة من نفس مؤسسة الحكم وإذا كانت صادقة ولديها قدرات اقتصادية قوية فإنها تقوم بتطليق النظام القديم في شقه الاقتصادي بالذات وتحقق قفزات جوهرية في هذا المجال وتسعى للعالمية بشراهة. الثورات من أعلى لها مميزات ولها عيوب.

الثورات من أدنى كذلك لها مميزات ولها عيوب، ومن صفاتها الواضحة أنها أكثر ميلاً للمطالب السياسية مع المطالب الاقتصادية وأنها غالباً ما تتجه – في البداية على الأقل – اتجاهاً ديموقراطياً لا يرغب في الاستيلاء على الحكم ولا الاستئثار بالسلطة، لكنها بطبعها ضعيفة وقابلة للانزلاق باتجاه الشعبوية وإذا انتصرت فإنه عادة ما يتم تحطيمها بالقوة في وقت لاحق خاصة إذا لم يشعر الناس بالاستقرار السياسي والتحسن الاقتصادي

والله أعلم

Posted in

أضف تعليق